اراء وأفكار

بغداد والشعراء والصور.. البائسة

طالب الوحيلي 

 

لم تمهلني ظروف عملي والظروف العامة في التجول بحرية في بغداد ،ولاشك ان ذلك صعب جدا مع الامتدادات الشاسعة لحدودها وعشوائية تخطيطها العمراني وضآلة طرق المواصلات والسيطرات والازدحامات ،فيكون الاحتماء او الاحتباس في البيت ارحم ،لاسيما وان الجهد المبذول في الذهاب والاياب الى العمل او الى اي مشور يعادل جهد العمل ويفقد متعة التجوال ،فاي ابداع يتمكنه الموظف او المبدع في تطوير ادواته ؟!

كانت مفاجأة لي احوال المناطق المحيطة بشارع المتنبي، الذي وصل صيته الى كل مكان في العالم كونه لب الثقافة العراقية اليوم ،مع انه كان مستقر ومرتع المثقفين العراقيين برغم سطوة الفكر الهمجي الفاشي ،توجهت لهذا المكان تحدوني ذكريات عن ذلك الزمن وعن شخوصه من اصدقائنا ومبدعينا ووراقي ذلك الشارع ،واكيد رايت ثمة تغييرا في الوجوه ،لعلها اذعنت لاستبداد السنين فلم استطع ملاحقتها بذاكرتي فشاخت الاشياء ،المهم هو ما يحيط هذا المكان من خراب مرعب من باب المعظم الى ساحة الميدان وتلك الابنية الحكومية الشاهقة كمبنى محافظة بغداد والدوائر العسكرية وغيرها وهي اليوم خرائب مهجورة تسكنها الاشباح ،وتسير في شارع الرشيد الذي يعكس لك هموما فوق هموم .. 

الرهان على الطاقات الإبداعية العراقية بعد سقوط الطاغية او سقوط نمط الحكم الاستبدادي محل خيال وتصور كل مواطن  يروم رؤية بلاده وهي تتحول الى مصاف الدول المتطورة، قابرة ماضي التخلف وبقاياه الى الأبد ،ولعله على حق حين ينظر الى المَهاجر والمنافي وما احتوت من إمكانات عراقية يمكنها ان ترفد الشعب العراقي بما لديها من كفاءات عالمية ،غير انه كاد ان ييأس من هذا الأمر فقد انعكست الصورة وابتدأت هجرة جديدة بقصد النجاة من الإرهاب والاستهداف المباشر للكفاءات بمختلف صنوفها ولرؤوس الأموال ومصادرها بدلا من استثمارها في البلاد،بل ان خطر تسرب راس المال الوطني قد تزايد لعدم وجود القدرة على رصده من قبل الدولة،بعد ان برزت على السطح رأسمالية وحشية من خلال موجة السلب والنهب والاختلاس والجرائم المنظمة التي تقع على الاشخاص والاموال ، وتحول الحال الى إسراف لرأس المال الوطني الاحادي اي الذي يقتصر على النفط الخام  دون سواه ،ولو انه يصنع محليا للاكتفاء الذاتي او لتصدير منتجاته لكان في ذلك نفع عام، او تشغيل المنشآت الصناعية بكافة طاقاتها ،وهي متيسرة كخامات مادية وبشرية فضلا عن كوادرها الفنية التي تحولت الى البطالة المقنعة بسبب عدم وجود تخطيط مركزي للانتاج  ،في الوقت الذي تجد طاقات بشرية كبيرة عجزت عن إيجاد فرص عمل لها لكي تتهاوى الى سوق العمالة الرخيصة املا في كسب قوت يومها،وقد قننت البطالة بفضل تراخي العدالة في توزيع فرص العمل الحكومي وسيادة الرشوة والمحسوبية في التعيين ، فيما تجاوزت تكاليف الانتاج في المنشآت حدود المعقول ،دون ان تستطيع تلك المنشآت سد الحدود الدنيا من الانتاج، فاذا ما تعكزنا على الملف الأمني والإرهاب نجد ان ذلك العذر قد انتهت اسبابه لتحل محله كارثة الفساد الاداري والمالي ، ترى متى تلتفت الدولة الى وضع خطط مستدامة للانتاج الصناعي بدل ابقاء الاقتصاد العراقي وحيد الجانب ،لاسيما واننا نشعر وكأن الامر مدبر له لكي يبقى هذا البلد في حالة عوز  للدول الاخرى وبذلك نشعر ان الأمر قد يمس سيادتنا الوطنية بالصميم ،لان الاستقلال الاقتصادي هو توأم الاستقلال السياسي ،وان الامم تسود برأسمالها ..

شركة واحدة للعقارات اسست في بغداد في سبعينيات القرن الماضي وهي الشركة العامة للمقاولات الانشائية ،كانت تفتتح العمل بمشاريعها بقبول طلبات التعيين بعقود لسد حاجة المشروع من الايدي العاملة بمختلف صنوفها ، لتضاف تلك الطاقات الى مشاريع اخرى اكبر ،واتسع نشاط هذه الشركة يوما بعد اخر لتبني اهم ابنية بغداد وجسورها وانفاقها ،وغير ذلك من المشاريع العسكرية والاستراتيجية ، شركة واحدة نحن بحاجة اليها لتلم شتات تلك القوى العاملة اولا ،ولتبني تلك الاماكن الخربة جدا ، ولتسكن المهجرين وتعالج السكن العشوائي و و ، انها بغداد عاصمة الدنيا في زمن ما وعاصمة الثقافة العربية اليوم ،ولكن مع معظم اماكنها تستحيي من المارين عليها كامرأة اصابها الجذام ..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان