نوماس الشاطي
لم يكن الحراك السياسي في العراق قد اخذ مساره الطبيعي بشكل تنظيمات سياسية حقيقية او اتجاهات وطنية واضحة المعالم قبل سقوط السلطة السياسية في بغداد في التاسع من نيسان 2003 ولعدة اسباب بعضها معروف والبعض الاخر لم يتضح للعيان الابعد انهيار الدولة وشيوع الفراغ الامني والسياسي في البلد اضف الى ذلك ان الفوضى والانفلات الامني والاجتماعي قد ساعد على تردي العلاقات الاجتماعية بعد غياب الرادع الاخلاقي والوطني مما تسبب في ظهور مافيات السلب والنهب وانتشار ظاهرة التصفيات الجسدية والثأرية والتي عصفت بمقومات المجتمع العراقي وجعلته (مجتمع ثأري بامتياز) حيث عملت على تفكيك المنظومة المجتمعية في العراق بشكل اثار مخاوف القوى الوطنية والدينية والتي سارعت بمحاولات حثيثة لاحتواء الازمة والتصدي ولو بشكل بسيط بأخذ زمام المبادرة والوقوف بوجه هذا الانحدار المخيف اضف الى ذلك ان حالة الفوضى هذه دفعت ببعض منظمات المجتمع المدني الى التصدي لهذه الهجمة وبصورة تطوعية وجهادية لملء الفراغ بعض الشيء. ان ظهور احزاب سياسية مفاجئة وبطريقة انفعالية مفرطة جعلت البلاد تعيش مرة اخرى اجواء الفوضى السياسية التي ضربت كل مفاصل الدولة وقد ساعدت قوات الاحتلال على الدفع بهذا الاتجاه اضافة الى انتشار مخابرات الدول الاقليمية والتي البت مكونات الشعب العراقي بعضها على بعض مما انتج لنا مكونات مناطقية طائفية جهوية متقاطعة عملت ومنذ عشر سنوات على تجذير كياناتها باستخدام الموالين والانتهازيين والوصوليين اضافة الى تسخير المال العام لشراء المواقف والاصطفافات مما شكل هياكل كتلوية لا تمتلك من المؤهلات السياسية سوى الشعارات الطائفية والمناطقية والتي تثير العواطف الجامحة وتنمي المشاعر الانعزالية وتعزز الخنادق المتقابلة وتقوي نزعات التقسيم والتشرذم لدى الطبقات البسيطة في المجتمع . إضافة الى ما تقدم نرى ان هناك شعورا متأصلا بالمظلومية لدى بعض شرائح المجتمع العراقي جعلها تشعر بالخشية من عودة الماضي المخيف رغم ما تحقق من انفراج سياسي محلي واقليمي فهي تشعر بالخشية من اية دعوى للمصالحة الوطنية او محاولات رأب الصدع بين طبقات المجتمع العراقي . اضافة الى ذلك التلويح المستمر من عودة النظام السابق برموزه المعروفة والتي تحالفت مع عناصر سلفية وداعشية حيث يمثلون جميعا هاجسا عدوانيا يطل براسه كل حين .
ان فقدان السلطة عند الطرف الاخر جعلها تسلك كل الطرق للعودة ثانية الى مركب السلطة. والسلطة المطلقة عند بعض المستفيدين من النظام السابق . ان هذه الفئات كثيرا ما تظهر في السر والعلن تأييدها للقوى المتطرفة بدعوى انها شرائح مهمشة او مظلومة مما دفعها الى طرح فكرة الفدرالية بشكل ملح خاصة بعد احداث الموصل في 10/ 6/ 2014 . ترى هل تصلح الفدرالية ما افسده الاحتلال وتجار الموت وعناصر التكفير (داعش والذين ركبوا موجة الدولة الاسلامية من الحواضن؟ ثم ماذا تعني الفدرالية ؟ ولماذا وضعت كمادة دستورية في دستور 2005؟ وما المانع من قيامها تطبيقا للدستور؟). تقوم فكرة الفدرالية على مبدأ (ثنائية السلطة) فالسلطة الفدرالية هي بالحقيقة سلطة مركزية لعموم البلاد وبجانبها سلطات محلية تحكم ضمن المنطقة او الاقليم بما لا يتقاطع مع السلطة الفدرالية شريطة ان لا يشكل حكم المناطق الفدرالية تناقضا بين سلطة الدولة المركزية و السلطة المحلية . فالسلطة الفدرالية تمارس بشكل كامل ومباشر على جميع مواطني الدولة ولكن ثمة بعض الشؤون المحلية تدار محليا. ثم ان القوانين التي تصدرها السلطة الفدرالية تكون نافذة ومباشرة في كافة المناطق المحلية والتي من اختصاص السلطة المركزية واذا صادف هناك تعارض بين القوانين الفدرالية والمحلية فالأولوية تكون للقوانين الفدرالية بحيث لا تلغي القوانين المحلية بل تكون منسجمة ومتوافقة مع دستور الدولة المركزية. ان فكرة الفدرالية في العراق قد تبدو لغزا مخيفا ذلك ان القوى الوطنية تشعر ان قيام النظام الفدرالي وفي اجواء الشحن الطائفي والعنصري والمناطقي قد يفضي الى صراعات مناطقية واحتراب مجتمعي لا يمكن التكهن بمدياته سيما وان هناك مغذيات اقليمية جاهزة تتحين الفرص لتنفيذ مخططاتها الاجرامية اقلها تقسيم البلاد .ولعمري لماذا لا يكون قانون المحافظات والذي صدر عام 1975ليمثل لامركزية السلطة لو طبق بشكل حقيقي الا يكفي ان تكون المحافظة اقليما اداريا منسجما يكون بديلا للنظام الفدرالي اذا ما احسنت ادارته ومنحت الصلاحيات المنصوص عليها في الدستور مما يغنينا عن هاجس الفدرالية ومخاوفها وتفسيراتها المتعددة .الا يغني قانون المحافظات رقم 21 لسنة 2008 بصلاحيات واسعة الذهاب الى متاهات الفدرالية؟ ان الرهان على الزمن ومساهمة القوى الخيرة من المجتمع العراقي وتفعيل الممارسات الديمقراطية وشيوع المشتركات الوطنية وطرد هاجس التغريب بين الجماعات الفئوية والمناطقية الا يمكن ان يكون القانون وعدالة السلطة كفيلا بواد التطرف الوافد علينا اقليميا ودوليا؟ الا يكفي ان تكون الروابط الاجتماعية والمشتركات الوطنية والمجتمع المدني السياسي الموحد ضمانة للجميع؟ ان تجارب السنوات العشر المنصرمة تؤشر بوضوح الحاجة الملحة الى اقرار القوانين الاساسية ذات الصلة المباشرة بمصالح المجتمع والتي تقطع الطريق على دعوات الفدرالية والتقسيم والانعزال والعدوانية التي تجذرت عند البعض نتيجة للسياسات الخاطئة والممارسات المرفوضة ومن هذه القوانين المعطلة على سبيل المثال لا الحصر: قانون الاحزاب والذي يقطع الطريق امام نشوء احزاب غامضة لا تمتلك من سمات الحزب الا الاسم والتي توحي الى جذور وارتباطات مشبوهة اضافة الى قانون الخدمة المدنية الموحد والذي يقضي على دعاة التوازن والتهميش والمحسوبية والمنسوبية ويقطع الطريق امام الراشي والمرتشي ويقضي على فساد الضمائر والنفوس كذلك قانون الخدمة الالزامية الذي ينمي الوحدة الوطنية بين افراد المجتمع العراقي ويبني جيشا مهنيا محترفا كذلك قانون النفط والغاز الذي يقضي على الصراع السياسي والمناطقي ويلغي دعوات الحرمان وعدم توزيع الثروة الوطنية وبطريقة عادلة . كذلك قانون الانتخابات الذي لا يقل اهمية عن القوانين الاخرى والذي يكون هو الاخر صمام الامان بعدم وصول عناصر مرفوضة من قبل الشعب الى قبة البرلمان كما يحدث الان وللأسف الشديد لا اطيل ولكن هذه همهمات وحشرجات اراها تهدر في كل لحظة عسى ان تكون بلسما للجراح النازفة كل حين. على ان هناك قوانين اخرى تسهم في استقرار المجتمع سياسيا واقتصاديا وثقافيا لاسيما اننا شعب يمتلك مقومات الوحدة الوطنية اكثر من اي شعب اخر في الوجود فثقافتنا واحدة ومشاعرنا واحدة وشعورنا واحد ويخطئ من يظن اننا مكونات وهويات فرعية فهذه عناصر وحدتنا فهل هناك افضل من ذلك؟









