فنون

(90)… كابوس سينمائي ضاعت ملامحه بين الرعب والتوثيق

تعد السينما إحد أهم أدوات الثقافة والمعرفة, ووسيلة تعليمية فعالية ترتقي بالمجتمع, وتلعب دوراً بارزاً في تشكيل قيمه وعاداته, وفنونه ,علاوة على استخدامها كوسيلة للترفيه.
ولكن مع الأسف يفتقد أغلب صناع السينما حساسية وعمق التعامل معها, فهم يركزون على التقنية ويتجاهلون جوهر الكتابة وتكنيك التنفيذ اللذين يعتبران الخيط الرفيع الفاصل بين السينما والتلفزيون, فنجد الكثير من الأعمال التي يطلق عليها مجازاً اسم فيلم بينما هي في حقيقة الأمر أقرب إلى سهرة تلفزيونية, ولأن الكويت من الدول السباقة إلى اقتحام مجال السينما وان تباطأت عجلة الإنتاج فيما بعد واقتصرت على تجارب فردية من وقت إلى آخر لظروف عدة ومعوقات مختلفة, أصبح إقدام أي شركة على إنتاج عمل سينمائي نوعاً من المجازفة تستحق الإشادة ولكن لا يعفيها ذلك من أن نتوقف عند السلبيات في عملها.
المنتج مشاري الحريبي آخر المنضمين إلى الحراك السينمائي الشبابي عندما استعان بنخبة من النجوم الشباب في فيلمه الجديد “090 الذي دشنه بعرض خاص في سينما “ليلى غاليري” بحضور نخبة من نجوم الساحة الفنية إلى جانب أبطال العمل هدى الخطيب, هند البلوشي, محمد صفر, حمد أشكناني, ليلى عبدالله, محمد المسلم, عبدالله عباس, ناصر عباس, فرح الصراف, شوق الهادي وعلي كاكولي, مع ضيفي الشرف يوسف البلوشي وعلى محسن وهو من تأليف يوسف حماد وإخراج فريق العمل.
تدور أحداث الفيلم في أحد الشاليهات المهجورة منذ الاحتلال العراقي الغاشم, حيث يقصده بطل العمل “جراح” برفقة أصدقائه لقضاء يوم وهناك يصطدم الأصدقاء بحوادث غريبة تتسبب في مقتلهم الواحد تلو الآخر إلى ان ينجح “جراح” في الهرب ويذهب إلى مركز الشرطة ليكتشف المحقق ان هذا الشاب يعاني مرضا نفسيا وان كل ما حدث له مجرد “هلاوس” نتيجة صدمة تعرض لها عندما كان صغيراً إذ شاهد مقتل أسرته على أيدي جنود الجيش العراقي. من السياق العام للأحداث نجد ان المؤلف ذهب إلى مرحلة تاريخية خطرة من ناحية التناول وهي الاحتلال العراقي ليجسدها على شكل كابوس, وحاول دمجها في سياق تراجيدي ولكن أفلتت منه الحبكة الدرامية فتشتت وضاعت هوية العمل وملامحه فلم يعد توثيقياً لجرائم الاحتلال العراقي كما لم يقدم نموذجاً لفيلم رعب يستقي أحداثه من جريمة قتل أو عمل ذي بعد نفسي يتحدث عن حالة مرضية هي “الفصام”.
اعتقد ان المؤلف تأثر بمجموعة من الأفلام لاسيما “آسف على الازعاج” للفنان أحمد حلمي الذي لعب أيضاً على “ثيمة” المرض النفسي وتخيلات بطل العمل وشخوص ليس لها وجود على أرض الواقع إلى ان تتكشف الحقيقة في نهاية الفيلم, وبنفس أسلوب مخرج “آسف على الازعاج” المصري خالد مرعي في الكشف عن سر بطله, نجد الأمر نفسه متبعاً عند صناع “090.
ان أول ما يجذب المشاهد لمتابعة أي عمل فني منطقية الحدث وتسلسله, فإذا افتقد الفيلم السينمائي لهذا الجانب فإنه يخسر من الجولة الأولى ويصبح مشاهدة ما تبقى من أحداثه تحصيل حاصل, وهذا ما كنا بصدده في “090 حيث كثير من الأحداث التي تفتقد للمنطقية بدءاًَ من الشاليه المفترض انه مهجور, في حين كنا أمام منزل مجهز بأحدث الديكورات, وما يدعو إلى السخرية ان تلك الديكورات وحالة المنزل لم تتغير منذ المشاهد الأولى التي من المفترض انها صورت خلال الاحتلال العراقي الغاشم أي منذ 24 عاماً تقريباً حتى وقتنا هذا, ايضا شخصية علي كاكولي الذي وجدناه مقتولا ومعلقاً من قدميه في منتصف الشاليه ثم في مشهد آخر يعود إلى الحياة ليدخل في صراع مع جراح وأحد أصدقائه الذي جسد دوره حمد أشكناني, فضلاً عن الكثير من المشاهد المكررة من حيث تفاصيلها ومختلفة شكلياً فقط.
من ناحية الصورة طغى الظلام على أغلب مشاهد الفيلم ولا أجد مبرراً لإضفاء صبغة الرعب والظلام, كما استوقفني مشهدين لو حذفهما المخرج ما أثر ذلك في أحداث الفيلم بشيء وإنما كانا لملء الفراغ ليس أكثر أولها في بداية الفيلم لعلي كاكولي, استعرض المخرج نمط حياة كاكولي منذ استيقاظه من نومه حتى يخرج إلى عمله, أدق التفاصيل بدءاً من نومه في الفراش مروراً باستيقاظه وصولاً إلى إفطاره وأخيراً مشاهدة التلفاز, في حين يبدأ الحديث الفعلي عند وصوله إلى أحد المقاهي ليأخذ مجموعة الأصدقاء إلى الشاليه, أما المشهد الآخر فكان للفنانة فرح الصراف تقف على شاطئ الخليج, ويستعرض المخرج خطواتها تجاه البحر, ثم نظراتها والهواء يلفح وجهها ليصل الى تعرضها للفزع لمرور شخص ما خلفها.
ورغم كم الاخطاء التي يزخر بها الفيلم الا ان التمثيل كان العنصر الوحيد الذي تفوق فيه الممثلون على انفسهم, وكان المنتج من الذكاء بحيث لم شمل مجموعة من ابرز الوجوه الشابة على الساحة الفنية تدعمهم الفنانة القديرة هدى الخطيب والفنان القدير محمد الرشيد, حيث اتسم اداء الممثلين بالعفوية, وشخصياتهم تنبض بالمشاعر الصادقة, فأغلبهم ابناء المسرح ولديهم خبرة الوقوف على الخشبة ومواجهة الجمهور ورغم اختلاف تكنيك التمثيل امام الكاميرا الا ان اداءهم كان صادقا ولعل الابرز من بين الشباب كان اداء هند البلوشي وعلي محسن, والامر نفسه ينطبق على محمد صفر.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان