د . صلاح عريبي العبيدي
كما اهتم الرأي العام المتمثل بالأحزاب والصحافة والبرلمان بهذا المسالة آنذاك ،والأمر الملفت للنظر ان الدعـوة الى بناء صناعـة حديثـة عدت جزءا من حركة وطنية أوسع نطاقا وذلك في محاولة لاقامة قاعدة اقتصادية قوية ، ولتحقيق الاستقلال السياسي والوقوف بوجه المحاولات الاستعمارية البريطانية التي كانت تستهدف إبقاء البلد في حالة التخلف والتبعية ، وقد شهد العراق بروز مجموعة من البرجوازيين الوطنيين الذين عدو النضال الاقتصادي مكملا للنضال السياسي ، وكان نوري فتاح من بين الأسماء البارزة في هذا المجال ويعد من أوائل الصناعيين الذين اسهموا في تأسيس الصناعة الوطنية في العراق ، سيما في مجال صناعة الغزل والنسيج ، ومشاريع صناعية واقتصادية وطنية اخرى .
صناعـة الغزل والنسيج الصوفي
لقد كان للتطورات الإدارية والتشكيلات الجديدة التي ظهرت في كيان الدولة العراقية الجديدة وما رافقها من بروز الحاجة الى سد متطلباتها من المنتجات الصناعية كحاجة الجيش العراقي الذي أسس عام 1921 الى النسيج لعمل الملابس والبطانيات من جهة ، ولارتفاع المستوردات العراقية من المنسوجات الصوفية ، وازدياد الطلب عليها ولاسيما بعد انتشار الأزياء الغربية وما يسببه ذلك من تسرب للأموال الوطنية ، فضلا عن الرغبة في تأسيس صناعة وطنية تنافس الصناعات الغربية من جهة أخرى ، كل ذلك كان له دور في فتح الباب أمام الرأسمال الوطني لولوج ميدان الصناعة الخفيفة ، ولاسيما صناعة الغزل و النسيج الصوفي التي كانت على رأس الصناعات الحديثة في العراق .
بادر (عزيز ميرزا يعقوب وشركاؤه) بإنشاء معمل للغزل والنسيج الصوفي في منطقة الكرادة ببغداد عام 1923 ، وتضمن (10) أنوال فقط وهي من صنع آلماني، وكان يقوم بغزل الصوف و نسجه ، واكثر منتجاته من البطانيات والاجواخ التي تتلاءم مع احتياجات الحكومة من مدارس الجيش والشرطة والسجون ،ومما يلاحظ على المعمل ان اغلب المؤرخين لا يشيرون اليه بوصفه بداية ظهور الصناعة الوطنية الحديثة ، وربما يعود ذلك لكون رأسماله لم يكن وطنيا خالصا .
في عام 1926 اقدم نوري فتاح باشا ووالده على تأسيس اول معمل وطني حديث دخل في تاريخ الصناعة العراقية ، وهو(معمل فتاح باشا للغزل والنسيج) ، وتعود قصة تأسيس هذا المعمل الى ان صالح ابراهيم (صهر فتاح باشا) ، كان يعمل مديرا فنيا لمعمل نسيج الجيش العثماني(العباخانه) . وقد صدرت اليه الأوامر عند انسحاب الجيش العثماني من بغداد عام 1917 بتفكيك المعمل وتدمير مكائنه ، غير انه قام بتفكيك المكائن ولم يدمرها ، بل أرسلها الى الموصل ، وحاول خلال السنوات اللاحقة إيجاد الممولين اللازمين لاعادة تأسيسه في الموصل ، لكن محاولاته باءت بالفشل ، وأصبحت المكائن غير صالحة للعمل ، غيـر ان رغبته في تأسيس معمل للغزل والنسيج بقيت شديدة في نفسه ، وما ان راى الاستقـرار السياسي في العراق بعد تشكيل الدولة العراقية ، وسياسة الحكومـة في تشجيع الصناعـة الوطنية ، حتى توجه الى نوري فتاح باشا وأقنعه بأهمية تأسيس مشروع وطني للغزل والنسيج ، ولاسيما بعد تأسيس الجيش العراقي ، وكانت الخبرة التي يملكها فتاح باشا عن هكذا مشروع ، لكونه عمل مديرا لمعمل نسيج الجيش ( الغباخانه) عامـلا مساعدا في الأقدام على تأسيسه.
تم اختيار منطقة الكاظمية في بغداد موقعا للمعمل ، لكونها كانت مركزا مهما تتواجد فيه اغلب معامل ومشاغل النسيج اليدوي ، مما ساعد في رفد المعمل الجديد بالأيدي العاملة ذات الخبرة السابقة بالصناعة الصوفية ، وبدأ المعمل يمارس نشاطه في عام 1926 حيث تولى نوري فتاح إدارة الأعمال المالية والتجارية والإدارية ، وتولى صالح ابراهيم إدارة الأمور الفنية ، وكان في مرحلته الأولى يقوم بإنتاج الغزل الصوفي فقط ويجهزها الى مشاغل النسيج اليدوية الصغيرة ، والى مصلحة السجون التي كانت تقوم بإنتاج بعض المنسوجات الصوفية والسجاد اليدوي ، وبلغ عدد العاملين فيه مع بداية العمل (65) عاملا ، ومع مرور الوقت استكمل المعمل معداته ، حيث احتوى على (40) نوالا مستوردا من بولندا ، وجهز بمحرك بخاري بقوة (75) حصانا وجهاز لتوليد الكهرباء.
باشر المعمل إنتاجه ، بالشكل المخطط لـه ، أواخر عام 1929 ، واشرف عليه في بداية الامر فنيون بولنديون، ووصل عدد العاملين فيه زهاء (300) عامل وعاملة، و(8) موظفين إداريين ، و(12) ملاحظا ورئيس عمل ،وقد تراوحت أجرة العمال بين (50 ـ250 ) فلسا يوميا حسب كمية العمل وقدرة العامل (وتجدر الاشارة الى ان المهندس عبد الوهاب الحاج محسن يروي انه عندما كان يدرس في كلية الهندسة جامعـة بغـداد عام 1944 كان هناك استاذ مصري اسمه د.حسين كمال الدين وقد اخذهم في زيارة الى معمل نسيج فتاح باشا وبعد انتهاء الزيارة وفي طريق العودة اخذ الاستاذ المصري ينتقد ادارة المعمل بسبب الظروف السيئة التي كان يعيشها العمال حيث كان عدد العمال يربو على (700) عامل وفيهـم الاطفـال والنسـاء ، وكانـوا يعملون 13 ساعة في اليوم ويتقاضون اجور زهيدة). وتجدر الإشارة الى ان نوري فتاح اعتمد في إدارة المعمل على زملائه من الضباط المتقاعدين ، وذلك لضبطهم الإداري، وحاجتهم الى فرص العمل.
انتج المعمل الأقمشة والغزل والاحرمة والبطانيات ، وقد تراوحت قيمة البطانية الواحدة بين (450ـ750) فلسا ، وامتازت منتجاته بالجودة وبالاخص البطانيات التي كان الناس يفضلونها على الاجنبية ، لان صناعتها كانت متقنة وصوفها خالص ، ونتيجة لهذه الجودة صدرت المنتجات الى الشام ومصر واقطار الخليج العربي وايران ، حتى انها حازت على جوائز دولية لجودتها ، كما شارك المعمل في عدة معارض محلية وعربية وعالمية ، وبما ان المعمل كان يعد معلما من معالم النهضة الصناعية في العراق ، فقد كان يزوره العديد من رجال السياسة والاقتصاد الذين يزورون العراق ، وكان من بين زواره رائد الاقتصاد المصري محمد طلعت حرب في نيسان 1936 ، ومؤسس البنك العربي عبد الحميد شومان في عام 1947.
غير ان النجاح الذي حققه المعمل لم يكن لولا المساعدة والتشجيع الشعبي والحكومي الذي حصل عليه ، فعلى المستوى الشعبي لقي تأسيس المعمل ترحيبا كبيرا من قبل الرأي العام العراقي ، وعدت الصحف العراقية هذا المعمل المعمل الأول من نوعه في العراق ، ونموذجا يحتذى به لاقامة مشاريع صناعية وطنية مماثلة ، بوصفه معملا يضاهي المعامل الأوربية ، ودعت الشعب الى تشجيعه من خلال الإقبال على شراء منتجاته ، كما حملت الحكومة والشعب مسؤولية بذل أقصى الجهود بهدف زيادة الوعي الشعبي للإقبال على شـراء المنتجات الوطنية.
اما على المستوى الحكومي فان الملك فيصل الأول (1921ـ 1932 ) نفسه كان يهتم بالمعمل ، ويوصي باستمرار بتقديم التسهيلات له ، وتلبية احتياجاته ، ومنحه مساعدات مالية ، وكانت الحكومة بدورها تسعى الى دعم وتشجيع الصناعات الوطنية بشكل عام ، وقد حظي معمل (فتاح باشا) ومعمل (عزيز ميرزا يعقوب وشركاه) بدعم الحكومة فقد حصل المعملان على إعفاءات من الضرائب من مجلس الوزراء عام 1927، كما شمل المعملان بقانون تشجيع الصناعة رقم (14) لسنة 1929، والذي تضمن تقديم التسهيلات والمساعدات لاصحاب المصانع بما فيها إعفاء المواد اللازمة والمستوردة من رسم الكمركي.
وتلبية لدعوة الحكومة للمؤسسات الرسمية والعسكرية لابتياع منتجات معمل (فتاح باشا) تشجيعا للصناعة الوطنية ، تعاقدت وزارة المالية مع المعمل لتزويد وزارة الدفاع بما تحتاجه من منتجات ، بشرط ان تكون الأسعار ارخص من المستورد ، كما قررت الوزارة منح المعمل سلفة قدرها (لكين ونصف لك روبية) بفائدة قدرها (5%) ، غير ان وزارة الدفاع طلبت من وزارة المالية إلغاء الفائدة ، لكون هذه الصناعة في بداية نشؤها ، وهي بحاجة الى تشجيع حقيقي ، فوافقت وزارة المالية على ذلك ، كما تعاقدت وزارة المالية مع المعمل على تزويد منتسبي وزارة الداخلية بما تحتاجه من المنسوجات والبطانيات ، بشرط ان تكون الأسعار ارخص من المستورد أيضا ، غير ان المندوب السامي البريطاني انذاك كلبرت كلايتون (Kilbert Clagton) اعترض على منح السلفة الى معمل فتاح باشا ، على أساس أنها مخالفة للقانون الأساسي العراقي ، لان المبلغ يتطلب موافقة البرلمان ، لكن الملك فيصل ابلغ المندوب السامي بأن المبلغ ليس سلفة بقدر ما هو استثمار مبلغ يودع لدى المعمل مقابل ضمانة وفائدة محددة ، وبناء على ذلك وافق مجلس الوزراء في 11 شباط 1930 على منح المعمل سلفة قدرها (75) ألف روبية من تخصيصات وزارة الدفاع في الميزانية العامة لقاء تزويد الوزارة باحتياجاتها ، وبالمقابل وافق نوري فتاح على تسليم منتجات المعمل الى الوزارة وبسعر اقل من السعر المستورد.
حظي معمل فتاح باشا بدعم حكومي ، اذ وافق مجلس الوزراء في عام 1932 على منح المعمل سلفه قدرها(5) آلاف دينار ، وبناء على طلب نوري فتاح وافقت الحكومة في 14 تشرين الثاني 1936 على إعفاء مواد أخرى للمعمل من رسم الوارد الكمركي وفقا للكميات المسموح بها ، وبعد ان توسع المعمل وزاد إنتاجه حصل مرة أخرى على إعفاءات كمركية لكل ما يحتاجه من مواد أولية مستوردة في عام 1939.
شهد عقد الثلاثينات توسعا كبيرا في صناعة الغزل والنسيج الصوفي ، فقد انفصل صالح ابراهيم عن معمل فتاح باشا بعد اختلافه مع نوري فتاح ، وأسس له معملا خاصا به يقوم أيضا بإنتاج المنسوجات الصوفية والبطانيات ، فاصبح منافسا لمعمل فتاح باشا ولاسيما في المناقصات الحكومية لتوفير متطلبات الجيش والشرطة ، ويـذكر ان المعمل كـان يحتوي على (40) الة ميكانيكية مختلفة تقدر قيمتها بـ (4000) دينار ،وضم معملين الأول للغـزل والثاني للنسيج ، كما ضم مولدة بقوة (100) حصان ، وقد حصل المعمل على العديد من الإعفاءات من الحكومة ، كما حصل على بعض السلف .









