واحد من المناضلين البارزين في التاريخ السياسي الحديث للعراق
رحل الاستاذ عزيز سباهي الشخصية الوطنية العراقية المعروفة حيث وافاه الاجل في مغتربه في كندا صباح يوم 26 كانون الثاني 2016. والفقيد مؤرخ وله تاريخ سياسي حافل فقد كان عضو ادارة تحرير مجلة الثقافة الجديدة الفصلية التي تصدر في بغداد و تنشر له مقالات باستمرار فيها وهو ممثل العراق في مجلة قضايا السلم والاشتراكية في تشيكوسلوفاكيا، وعضو ادارة تحرير مجلة النهجي دمشق، وباحث في مركز الدراسات العمالية التابع لجامعة الدول العربية في الجزائر، وعضو الهيئة الإدارية لنقابة الصحفيين في العراق ، عمل محررا في جريدة اتحاد الشعب ومحرر في جريدة السجين الثوري ، مدير عام لدار بغداد للطباعة والنشر، ومعد لنشرة الأخبار اليومية في اذاعة راديو الحزب الشيوعي العراقي السري . صدرت له كتب وترجمات عديدة منها، كان بعضها تحت اسم نصير سعيد الكاظمي: تاريخ البصرة في القرن الثامن العشر – ترجمة – دار المدى – تحت الطبع/ مواقف من المسألة الزراعية في العراق” – دار الرواد المزدهرة – بغداد – 2010 /عقود من تاريخ الحزب الشيوعي العراقي – ثلاثة مجلدات – دار الرواد المزدهرة 1998-2005… مستقبل الرأسمالية – ترجمة – دار المدى 1998 /أصول الصابئة المندائيين ومعتقداتهم الدينية – طبع للمرة السادسة – دار المدى 1996 /الكومنترن والشرق الاوسط – ترجمة – دار المدى / تأريخ الحركة العمالية في العراق – مركز الدراسات الاشتراكية في العالم العربي 1985 / نشأة وتطور الطبقة العاملة في البحرين – معهد العمل العربي 1983 / نشأة وتطور الطبقة العاملة في الكويت – معهد العمل العربي 1982/ في الفلسفة الماركسية – ترجمة – دار الفارابي 1975/ المزارع التعاونية في الهند – ترجمة – دار الرواد 1973سيرة حياة لينين – ترجمة-مكتبة النهضة 1971 / وضع خمس دراسات اقتصادية واجتماعية عن مشكلة السكن في العراق / وضع عديدا من الابحاث الزراعية ألقيت في مؤتمرات زراعية ونشرت في الصحف. أسهم في ندوات عالمية حول النفط لبحث امكانيات نجاح التأميم .
لندن أونتاريو، حيث أبو سعد
أرخ سعدي يوسف ذكرياته مع سباهي وهاجة بالآلام والذكريات التي تبعث الشجن، فكتب تحت عنوان؛ (لندن أونتاريو، حيث أبو سعد).. قائلا: بعُدُ لندن )ندن أونتاريو) ساعتَين بالسيّارة، عن تورنتو التي أقمتُ فيها شهوري الثلاثة. قبل زيارتي الكنديّة هذه، كنتُ آمُلُ في أن أذهب إلى لندن أونتاريو، لا لأتمتّع بمرأى ” التيمس ” (هناك ثمّة نهرٌ بهذا الاسم، محاكاةً للندن البعيدة، جنوبيّ تلك الجزيرة الأوروبية الصغيرة)، بل لألتقيَ نهراً عراقيّاً كريماً بما يظلَّ يهَبُ، هو عزيز سباهي، أبو سعد. لم تفعل الأيامُ المريرةُ، فِعلَها، بالرجل، الذي ظلَّ وفيّاً لحُلمه، ولرايته الشيوعية، ولصداقاته، ولِعِلْمه ومثابرتِه. آنَ التقيتُه، أمس الأول، في شقّته بلندن أونتاريو، كان مع رفيقة حياته، ليلى الشيخ.عزيز سباهي، من القلائل الذين ظللتُ أمحضُهم الودَّ والثقةَ، وأشاركُهم تلك الهمومَ المتّصلةَ بعراقٍ حرٍّ سعيدٍ. الحديثُ الودودُ الذي جرى بيننا، في منزله الكنَديّ، كان ذا أسئلةٍ وتساؤل، لكنه ظلَّ ودوداً.غرفةُ الاستقبال، والمكتبة، غنيّتانِ بلوحات خطّ الثُلْثِ، الذي لم أرَ أحداً يُجيده، بعد هاشم الخطّاط سوى عزيز سباهي. ثمّة أبجديّةٌ أراها للمرة الأولى، في لوحة، هي الأبجديةُ المندائية بخطّ أبي سعد. قال لي عزيز سباهي وهو يوشك أن يودِّعني: حديثُنا مفعَمٌ بالأمل. حديثُنا يليقُ بمَن هم في العشرين، لأنه يمنحُهم أملاً، في مستقبلٍ ما. قلتُ: الطبيعةُ رحيمةٌ يا أبا سعدٍ. ابتسمَ الرجلُ، لكن ابتسامتَه لم تكن عريضةً. هذا الرجل الذي لم يكلّ، ولم يملّ، أطْلَعَني على عمله الجديد الصادر في هيئة كتاب: علاقات البصرة التجارية في القرن الثامن عشر تأليف: ثابت عبد الجبار عبد الله. ترجمة: عزيز سباهي .على المرء أن يظلّ يتذكّر ويُذَكِّر: إن لهذا الرجل، مع حنّا بطاطو، عبرَ مؤلّفاتِهِما، الفضلَ في وضع الأساسِ المتين، لمشروعٍ ضروريّ: تاريخ الحزب الشيوعيّ العراقيّ.أترانا سنلتقي ثانيةً؟ ربما، لكنْ ليس في العراق. فهو ممنوعٌ من السفر بالطائرة بسببٍ من القلب. وأنا غيرُ راغبٍ في السفر إلى العراقِ بسببٍ من التقَلُّب!
تعذيب رهيب وصمود بطولي
وكان سباهي يذكر دائما رفاق النضال الذي غيبوا بسجون التعذيب وفي أٌقبية السلطات الجائرة التي تعاقبت على جلد كلمة الحق والدعوات الى نشر الحرية والتي تنادي بحقوق الانسان، والنيل من سالبيها وغامطيها.
مقال لعزيز سباهي يذكر فيه رفاقه كتب تحت عنوان (تعذيب رهيب وصمود بطولي).
لقد حاول طالب شبيب، والقادة البعثيون الآخرون، أن يرجعوا الفظاظة في التعذيب بالصورة الرهيبة التي جرت فيها الى العسكريين تارة، والى نوازع الثأر وما إليها تارة أخرى. لكنهم يتناسون ان البعث قد تربى منذ أيامه الأولى على معاداة الشيوعية في رأس الاهداف التي تضمنها برنامجه الانتخابي الذي ورد في بيانه الانتخابي في صيف 1943. لقد صار الموت هو الأمر الوحيد الذي ينتظره كل معتقل. ولذلك يقول الفكيكي: “وبسبب هذه البدائية في التعذيب والقتل الكيفي، خيم على المعتقلين شعور بالهلع والقلق، وضاعت عليهم مقاييس (التحقيق) ومعاييره. فقد خضع المعترف وغير المعترف، القائد والعضو العادي، المتصدي بالسلاح والقابع في داره، للقسوة ذاتها في التعذيب والإيذاء، وكان الموت أقرب للجميع من حبل الوريد”. بيد أن البعثيين لم ينقلوا لنا، في مذكراتهم، صور الصمود البطولي الذي قابل به قادة الحزب الشيوعي ما صُبَّ عليهم من ألوان التعذيب وأفانينه إلا النادر منها. إلا ان ما نقل عن هؤلاء القادة عن طريق من نجا من المعتقلين من الموت بصورة من الصور، يكفي للتعريف بالشجاعة الهائلة التي واجه بها سلام عادل الجلادين وهم يجربون معه كل ما اتقنوه من فنون التعذيب. فهل يتجرأ من بقي من رموز سلطة الانقلاب على الحديث عن هذا الانسان الكبير وما جرى له من تعذيب يفوق قدرة البشر دون ان يتفوه بشيء؟ واية كلمة يمكن ان تقال وهم يتلذذون بقطع اوصاله.. او ضغط عينيه، حتى تفقدا ماء البصر.. او كيف قطعوا اعصابه بالكلابات، أو كيف واصلوا ضربه على الرأس حتى لفظ انفاسه؟ والصمود الأسطوري ذاته يتكرر مع عبدالرحيم شريف، ومع محمد حسين ابو العيس وهو يكابد العذاب امام زوجته الشابة والأديبة الموهوبة سافرة جميل حافظ التي كانت تُعذب امامه هي الأخرى حتى لفظ انفاسه أمامها.. والثبات الذي لا يعرف الحد للدكتور محمد الجلبي، وهو يتجرع الموت قطرة فقطرة.. والحديث يطول عن صلابة نافع يونس او حمزة سلمان او حسن عوينة أو صاحب الميرزة او صبيح سباهي او طالب عبدالجبار او الياس حنا كوهاري (ابو طلعت) او هشام اسماعيل صفوة او ابراهيم الحكاك او الصغيرين الأخوين فاضل الصفار (16 سنة) ونظمي الصفار (14 سنة) اللذين لفظا انفاسهما أمام أمهما التي كانت “تتسلى” عنهما بالضرب الذي تتلقاه وهي حامل، وفضلا الموت على ان يدلا الجلادين على الدار التي يسكنها زوج أمهما، جمال الحيدري. لن يكون بوسع أي كاتب مهما اوتي من براعة التصوير، ان يعرض القصة الكاملة لما جرى في (قصر النهاية) و(ملعب الإدارة المحلية) و(النادي الاولمبي) و(محكمة الشعب) وغيرها من الأماكن التي جرى تحويلها الى مقرات للتحقيق والتعذيب، لاسيما بعد ان غاب كثير من الذين شهدوا هذا الجلد، من الضحايا او الجلادين.
عقدان من السنين سجيناً
مقال عن الراحل لـ عكاب سالم الطاهر
أعتز كثيراً بالمندائيين العراقيين. وأعتز أكثر باليساريين منهم. وهناك أسماء ورموز من هذه الطائفة، قامت بيني وبينها علاقة احترام متبادل، من أبرزهم: ستار جبار حلو الزهيري، رئيس طائفة الصابئة المندائيين في العراق والعالم. والأسماء عديدة. وتحت خيمة الصحافة العراقية، التقيت وعملت مع شخصيات مندائية، منهم: الكاتب همام عبد الغني المراني. بوضوح: أجد في المندائيين طائفة مسالمة.. ودودة.. مبدعة.. ويكفي أنهم: عشاق شواطئ الانهار الجارية. في مثل هذه البيئة المجتمعية، عشت مع مندائيين، وأقول هنا: أن من درسني في الابتدائية، المعلمان المندائيان: ورد عنبر، و.. ورد شجر. وتقريباً، فان هذه الطائفة، مغلقة لليسار بشكل كامل، مع استثناءات قليلة جداً. ولا يتسع المجال لتعداد أسباب ذلك. لكن الدوافع مفهومة، والكثير منها يحمل مبرراته. ومن الشخصيات الصحفية المندائية (الصابئية)، كان: عزيز سباهي (أبو سعد). ولم تكن المعلومات المتوفرة لدي كافية للكتابة عنه. لم اجد ما أبحث عنه في المصادر الموسوعية. طرقت باب (المواقع الالكترونية)، فوجدت معلومات تركز على الجانب الساسي في حياته، وكتبت بعد رحيله. لكن (الجانب الاجتماعي) شحيح جداً. أميل للقول: أنه عراقي مندائي (صابئي)، ولد في ميسان. بايع الحزب الشيوعي منذ شبابه. وجاء في بعض المصادر ذات الصلة: (..الرفيق عزيز سباهي مناضل معروف في صفوف الحزب الشيوعي العراقي منذ سبعة عقود. وقد تعرض خلال نضاله الى ثمانية عشر عاماً من السجن والابعاد، بما في ذلك سنوات عديدة قضاها في سجن نقرة السلمان الصحراوي، وتحمل صفوف التعسف والاضطهاد. اضطر للهجرة من العراق عام 1978..). استفاد سباهي من اقامته في السجن لتطوير قابلياته. فطور لغته الانكليزية وترجم عدداً من الكتب الى العربية. ويعد الرفيق عزيز سباهي من الموادر المثقفة في الحزب الشيوعي العراقي. وكان عضواً في اللجنة الاقتصادية المركزية خلال السنوات 1974- 1978. وأصبح عضواً في قيادة تنظيم الخارج وفي لجنة العمل الآيديولوجي في السنوات الاخيرة من ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي..). هذه المعلومات نقلاً من المواقع الاكترونية. عام 1970، وفي قسم الدراسات والتقارير بجريدة الثورة، التقيت الباحث والكاتب عزيز سباهي. كان القسم يضم: حربي محمد، وخالد علي مصطفى، ومحسن جاسم الموسوي (رئيس القسم)، وسامي مهدي، وجبار الكرخي، وبيتر يوسف. كان (أبو سعد) وديعاً.. أليفاً، بعيدا عن العدوانية، لكني أشعر، ومن موقع رصد قريب، أنه كان (كسير الجناح)، وهل يحلق الطير بجناح مهيض؟. كان مندائياً، ولعل تلك الطائفة تشعر بعقدة (الهامشية)، لذلك وجدت في الالتجاء نحو الاحزاب العلمانية (وفي مقدمتها: الحزب الشيوعي العراقي) والاحتماء بها، بمثابة (طوق نجاة) من الغرق. هذا من جهة. ومن جهة ثانية فان التنظيم الذي ينتسب اليه الكاتب عزيز سباهي (الشيوعي)، كان يسير من نكسة لأخرى. فحملات التصفية واعدام قادته في العهد الملكي، وخلافه مع عبد الكريم قاسم، والتصفية الدموية الواسعة التي تعرض لها عام 1963، والانشقاق الذي قادته (القيادة المركزية) بزعامة عزيز الحاج، هي محطات مهمة في حياة الحزب الذي ينتسب اليه عزيز سباهي، محطات تبعث على الاحباط، ان لم نقل اليأس. والقت تلك التداعيات بتأثيراتها على الكاتب عزيز سباهي. لذلك كان يتحاشى الاصطدام) والحوار الساخن. ويحرص على (تمشية) عمله اليومي بدون ردود فعل، أو بأقل قدر من ردود الفعل. فاتني أن أذكر أن أخاه قتل يوم 8 شباط/ 1963، في التصدي للانقلابيين. في مثل هذه الأجواء، وفي ظل تلك التداعيات، حل (أبو سعد) في جريدة الثورة عام 1970، أو قبله بقليل (عام 1969). كان يبتعد عن الكتابة في القضايا الساخنة، أو التي تثير خلافاً. كان الموضوع (الاقتصادي) مجاله المفضل. واذا أراد أو طلب منه الكتابة في موضوع سياسي، فانه يختار الساحة البعيدة عن العراق. فعلى سبيل المثال، عندما مات الزعيم السوفيتي خروشوف، كتب عزيز سباهي، ونشرت له جريدة الثورة ، مقالاً بعنوان: مات صديق العرب خروشوف. وعندما جاء خبير النفط السعودي (عبدالله الطريقي) الى بغداد صيف عام 1970، حاوره عزيز سباهي، ونشر الحوار في الجريدة تحت عنوان، (الطريقي يقول: حطموا كرة الزجاج). والمقصود هنا: الشركات النفطية الاجنبية. أمضى الباحث عزيز سباهي سنوات عمله في الاعلام العراقي (خاصة جريدة الثورة) بهدوء وانسيابية.
وفي النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي (لعله عام 1978)، غادر عزيز سباهي العراق. لماذا هل لأنه لم يعد يطيق الممارسات؟ هل صدر له أمر من التنظيم؟ هل وجد فرصة عمل فضلى خارج العراق؟. ربما كان السبب: كل ذلك. غادر سباهي بلده ليعيش الاغتراب. وذكرت مواقع الكترونية عديدة، بعض ما كان يقوم به من مهمات سياسية وفكرية. ومن حين لآخر، كان الصديق المغترب المهندس العراقي (المندائي) سلام ناصر يعلمني- أخوياً- عن جانب من أحاديثه مع الباحث عزيز سباهي، وكان يتذكرني. وأخيراً: غادر الى مثواه الاخير. تاركاً العطاء الغزير، والذكرى الطيبة. رحمك الله يا أبا سعد.








